العلامة المجلسي

276

بحار الأنوار

وأوجبته الحجج العقلية ، وإن تعذر فيها بناء وتأويل وتخريج وتنزيل فليس غير الاطراح لها وترك التعريج ( 1 ) عليها ، ولو اقتصرنا على هذه الجملة لاكتفينا فيمن يتدبر ويتفكر . وقد يجوز أن يكون المراد بذم هذه الأجناس من الطير أنها ناطقة بضد الثناء على الله وبذم أوليائه ونقص أصفيائه ذم متخذيها ومرتبطيها ، وأن هؤلاء المغرين بمحبة هذه الأجناس واتخاذها هم الذين ينطقون بضد الثناء على الله تعالى ويذمون أولياءه وأحباءه ، فأضاف النطق إلى هذه الأجناس وهو لمتخذيها أو مرتبطيها للتجاور والتقارب وعلى سبيل التجوز والاستعارة ، كما أضاف الله تعالى السؤال في القرآن إلى القرية وإنما هو لأهل القرية ، وكما قال تعالى : ( وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا * فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا ( 2 ) ) وفي هذا كله حذوف ، وقد أضيف في الظاهر الفعل إلى من هو في الحقيقة متعلق بغيره ، والقول في مدح أجناس من الطير والوصف لها بأنها تنطق بالثناء على الله والمدح لأوليائه يجري على هذا المنهج الذي نهجناه . فان قيل : كيف يستحق مرتبط هذه الأجناس مدحا بارتباطها ، ومرتبط بعض آخر ذما بارتباطه حتى علقتم المدح والذم بذلك ؟ . قلنا : ما جعلنا لارتباط هذه الأجناس حظا في استحقاق مرتبطيها مدحا ولا ذما وإنما قلنا : إنه غير ممتنع أن تجري عادة المؤمنين الموالين لأولياء الله تعالى والمعادين لأعدائه بأن يألفوا ارتباط أجناس من الطير ، وكذلك تجري عادة بعض أعداء الله تعالى باتخاذ بعض أجناس الطير فيكون متخذ بعضها ممدوحا لا من أجل اتخاذه ، لكل لما هو عليه من الاتخاذ الصحيح ، فيضاف المدح إلى هذه الأجناس وهو لمرتبطها والنطق بالتسبيح والدعاء الصحيح إليها وهو لمتخذها تجوزا واتساعا ، وكذلك القول في الذم المقابل للمدح .

--> ( 1 ) أي وترك الاعتماد عليها ، يقال : فلان لا يعرج على قوله أي لا يعتمد عليه . ( 2 ) الطلاق : 8 و 9 .